تقليدية شعورية.. غباء عاطفي

إنّ مفهوم الاستقلال العاطفي مفقود في واقعنا. وتطويره لدى كل منا يُحتّم التحلي ببعضِ الذكاء العاطفي، ولا يعني بأي حال، تنصل المستقل عاطفيًّا من محيطه وهموم بلده. لكن استشراء التنميط، حتى في العواطف، يصيب الأشياء من مواقف وهموم ونحوه ببرودة اليقين. ويُفقدها بعضًا من معناها الخفي أو الجلي. وتكثيف المجتمع لهذه الحالة، يعمل على تطوير عاطفةٍ بلهاء لدى الأفراد، ملأى بالحشو، وفارغة من «العاطفة». مِن شأنها، تلك العواطف البلهاء، تكريس الوهم بوتيرة أعلى مما ينتج الغباء الفكري. فالعقل إن اقتنع بفكرة ما، فهو يصدقها، أي يصدق بحقيقتها. أما إن كانت العاطفة إزاء شيء ما عالية أو منخفضة، فهي ما يقرر بشكل ما، سلوك الفرد تجاه هذا الشيء واعتباره له.
يَتأتّى التقليد الشعوري من ذلك الوهم العاطفي. وبأحد معانيه؛ هو أن يتماهى شخصٌ بشخصٍ عاطفيًّا. ومن حيث هو أوسع الأبواب المفتوحة لعدم الاستقلال العاطفي، يعمد الأفراد، في المجتمعات المغلقة، إلى التقليد والمحاكاة، كي لا يكونوا شذوذًا عن قواعدهم. ويمكن استقدام هذا التأويل وإسقاطه على عواطف الناس فيما يتعلق بالشؤون العامة. ففي الشؤون الدينية، يتماهى الناس مع الأجواء المشحونة بعواطف خالية المبنى والأثر، إذًا ليس الخوف من الإقصاء الاجتماعي فقط ما يدفع الناس إلى الالتزام الظاهري بشعائر الدين، بل أيضًا العاطفة الجوفاء التي نمت في بنية نفسياتهم. كمثل صيام النوافل، كيوم عرفة مثلًا، يجد الإنسان -غير الراغب- نفسه مدفوعًا إلى فعل
ذلك بدافع أمرين: عدم النشوز، وتقليدية عاطفية.

لا يُختزل الإنسان تحت هذين المسميين. لكن في حالة مواجهة الفرد رغبته بقرار نابع عن شيء مماثل، لا بد له من مراجعةٍ وتأملٍ لدوافع قراراته. ولا أتعرض بهذه الأمثلة الدينية لأي قدسية ماثلة في عقول ووجدان الناس. لكن حتى التقديس، لا بد له من عاطفة ضاجة وصاخبة، تؤدي دور الباعث الأساسي، أو تقوم مقامه. ولا يمكن الاكتفاء بوراثة العاطفة تجاه ما هو مقدس.
يتضح الاستقلال العاطفي النابع من عدة مصادر كالإيمان والانتماء وخلافهما، في بداية الدعوة الإسلامية وقلة أعداد المؤمنين، وفي بداية تأسيس الدولة، وفي تعاقب الحكومات الأولى. فكان عدد المتصدرين للمشهدين الإيماني والقيادي قليل، مقارنة بعدد المؤمنين ككل. وقلة من قدروا على تطوير عاطفة مستقلة بعيدًا عن الخطاب والإنشاء. ويمكن استقراء هذه الحالة في أسطورة إسبرطة المتمثلة في العدد ثلاثمائة.

إن تطوير عاطفة مستقلة من شأنها التأسيس إلى مدخل الفردانية العربية. فكما أؤمن بفردية كل فرد منا، أؤمن بضرورة استقلال الفرد بعاطفته بعيدًا عن القطيع الديني والسياسي على وجه التحديد. يمكن التباس الأمر هنا على البعض، إذ لا يمكنهم الفصل بين الفكرة الأساس، وبين عاطفتها. فالمنتمون إلى حزب ما، بناء على مطابقة أيديولوجية هذا الحزب لمعتقداتهم وآمالهم، يجدون صعوبة في فصل عاطفتهم إزاء شكل الحزب على العموم، وعن انتمائهم له. فاستقلال العاطفة من شأنها تعظيم الانتماء أو تخفيفه. فمثلًا، تعمد كل الأحزاب السياسية والدينية في البلاد العربية إلى أسلوب الحشد الجماهيري، وهذا الأسلوب قائم بالأساس على العاطفة العامة، أو التقليدية الشعورية أو العاطفية، ما يورث الجمهور غباءً عاطفيًّا دون إدراكه. مثل المهرجانات والتجمعات وما إلى ذلك، يضطر الفرد إلى تقليد الشعور والانفعال الجماعيين تقليدًا عاطفيًّا.

للموقف الدفاعي الذي تتخذه معظم التيارات الدينية والفكرية والفلسفية العربية دور بارزٌ في تعزيز القطيع وحس المظلومية. ما يدفع الأفراد إلى رص صفوفهم العقلية، وكذلك العاطفية. وبهذا تعم صفات شعورية لا يمكن للفرد فصلها أو إخضاعها حتى لمنطق الشك والتفكيك. وتعزيز مفهوم المظلومية يلغي العقلانية، ويعمل على تحظير الأفراد وعزلهم عن مجريات الحقيقة، كالحاصل تمامًا مع الاستعمار الصهيوني في توظيفه لمظلومية اليهود، فصارت عاطفة الحس بالمظلومية اليهودية شماعة، ويتم تداولها في كافة المحافل السياسية والدولية. فمظلوميتنا، كعرب، فقدوا موقعهم التاريخي، وبلادهم دول بين القوى الإقليمية والدولية، وإيمانهم العام بالمؤامرات الصليبية- الوثنية عليهم، يخلق حسًّا عاطفيًّا أبلهًا وبليدًا، إضافة إلى كونه يخلق عقلية جوفاء بالأصل.

يُعزى الأمر، وغيره، أحيانًا إلى تكوين العربي القبلي الصحراوي الأساسي، ولا أعرف كيف استطاع رواد هذا التحليل الجمع بين فردانية تكوين العربي كصحراوي، وبين قطيعيته كقبلي. لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه هو ميل العربي إلى العاطفة على خصوصها وعمومها، وهذا ما اتهم به قدماء اليونان المشرقي بشكل عام، أنه عاطفي روحاني أكثر مما هو عقلاني. وأنا أختلف مع هذا بالتأكيد، إذ إن غلبة الجانب الروحي والعاطفي لدى المشرقي أكثر منها لدى الغربي، لا يعني انعدام الجانب العقلاني لدى المشرقي، بقدر ما يعني انخفاض وتيرة العاطفي لدى الغربي. لكن، لهذه الغلبة أيضًا آثارها السلبية، كاشتغال العرب وانشغالهم بصروف الأدب دونًا عن الفلسفة والعلم، وانصرافهم عن أكثر الميادين سعة وحملًا للمجتمعات على التطور، يكرس العاطفة تكريسًا سلبيًّا. ونخلص إلى ركيزة أن من أسباب الاستقلال العاطفي هو اتساع مدارك الفرد المعرفية على أنواعها.

Fadi