الإنسان كقاعدة بيانات

كما أنّ الحياة رحلة، كذلك المَعرفة. ولضيق المُتسع والمَقدرة، غالباً ما يُقرر الراكبُ المسافرُ اختصارَ أمتِعته على ما يُلبّي حاجاته المُلحّة. وَمن هُنا يَجِبُ أنْ تبدأ رحلتنا المعرفية "متاع" بوصفِها مسيرة سنوات. لكن تصويرنا متاع الرحلة المعرفية بالشيء المعدود، الكتب مثلا، التي باستطاعة المسافر حملها، هو تصوير قاصر نوعاً ما. فرحلة ابن عربي مثلا من المغرب إلى المشرق، كان مُقتصرٌ متاعها ربما على بعض الكتب. أما رحلاتنا نحن أبناء هذا القرن الغريب فمختلفة. الذي صار بالإمكان فيه حمل ما يفوق المليون من الكتب المقروءة والمسموعة في رحلة واحدة، وعلى مصدر واحد. وهذا ما يخلق فوضى الأمتعة التي تُشاهد على الحدود. ومثلما خَلقت هذه التقنية فوضى في المخرجات، كذلك فعلت بالنسبة للمُدخلات.

تُتيح مثل هذه الفوضى فُرصاً لم يعهدها السابقون. ولنأخذ مثالا على ذلك المساهمة الفردية في خلقها. مثل تلك التي يُنتجها الإنسان بوتيرةٍ شبه يومية عبر ارتباطه شبه العضوي مع أدواتٍ ومنصّاتٍ تقنية. تتجلى مثل هذه الفرص في الإمكانية النادرة التي يتوفر عليها الفرد من مراجعة ذاته وسلوكياته على الإنترنت بشكل عام، ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص. ومثال على ذلك، خاصية الأرشفة التي تُتيحها منصات عملاقة مثل جوجل، حيث تؤرشف كل نشاطات الفرد من بحث وتصفح ومشاهدة. وفيسبوك، التي تتمثل خاصية الأرشفة لديهم بما يسمى "سجل النشاطات". فبإمكان المتصفح لسجله، مشاهدة عن قرب من ذاته، نظرية التطور كامنة في سنين عمره عبر هذا الافتراضي-الواقعي. وفي هذا السجل أو التاريخ الفردي، ذاكرة بأكملها، وربما شخصية مكتملة المعالم من آراء، ومشاعر، وصور، وذكريات، ولحظات الألم الدائم، وما استجد من فرح على الحياة. هذا وأن الإنسان وحده يعرف القصة الحقيقية وراء كل نشاط "افتراضي" قام به.

يستطيع المتصفح لسجله، بمساعدة التسلسل الزمني لنشاطاته، أن يكتشف علّة ما كتب. ويرى بعدها المعلول قائماُ أمامه. وأن يسترجع لحظة تبسم أمام عدسات الكاميرا المحدبة والمقعرة، ثم شارك الصورة، فيتداعى أمامه كل ذلك الشعور والحيثيات والذكريات الخاصة بتلك اللحظة. إنه بهذا، أصبح قاعدة بيانات لذاته ولغيره، وإهدارها ليس بأحسن خيار. يُحيلنا هذا المنطق إلى ما يسميه البعض بشطحات "الخيال العلمي"، ولم يعد من الإنصاف إلصاق كلمة خيال بالعلم. وهذه فكرة باتت رائدة، أي أن خيال الجيل القديم أصبح واقع الجيل الذي يليه. فالأجدر أن نسميه المستقبل العلمي. ومنه، يجوز أن نتخيل ذواتنا بمحدداتها وأطرها المختلفة كقاعدة بيانات ضخمة، بالإمكان تحميلها وتنزيلها (المدخلات)، وبعد ذلك تشذيبها وتعدينها باستخدام علم البيانات (التفكير).

في الوقت الراهن، مُتاح لأي مستخدم لهذه التقنية، تحمليها وتنزيلها. وما يحول بين فعل ذلك من أو إلى غير قرص صلب أو وحدات تخزين خارجية، عائق الأداة الوسيطة الذي يحاول العلماء التغلب عليه، وهو ما سيكون.

هذه فكرة رهيبة ومرعبة أيضا، كتلك التي ألقى بها أمامنا، نحن طلاب الصف الحادي عشر، أستاذ الأحياء ذات مرة عن أن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث وساق مثالا عن طاقة الصوت، وأن العلماء يعملون على تطوير آلة من شأنها استرجاع تلك الطاقة الخافتة إلى شكلها الأصلي، الأمر الذي يُمكّننا من سماع الأصوات منذ بدء الخليقة. كان هذا قبل أربعة عشر سنة. لاحقا لذلك، تعثرت بنص عبقري لإبراهيم جابر إبراهيم "أول مرة حكالي: بحبك" يصف هول ما نحن بصدده. إنك أيها الفرد لن تفنى ولن تستحدث، بل ستنتقل من رأس إلى آخر. حالنا كحال المادة والطاقة، في حركة دائرة مستمرة. هذا الجانب المرعب، يكاد لا يذكر بجانب كل القوة التي تضفيها التكنولوجيا على المستوى الفردي والجماعي. لنا أن نتخيل ولنا أن نصدق.

لا تُستبعد كل هذه الرؤى والاحتمالات، فلم يعد موضوع التقنية مُساعد للإنسان في البحث والتحليل والتخزين فقط، وأصبح يتعدى ذلك بالمساهمة الفاعلة في الإنتاج، كالموسيقى الإلكترونية، وحقول أخرى مختلفة كالذكاء الصناعي.

تكشف لنا الشركات، مثل جوجل وفيسبوك، عن وجوه القوة الكامنة في التقنية. وهي وإن كانت توجهها توجيها اقتصاديا، فإن البشرية هي المستفيد الأكبر من هذا. البشع في الأمر، إمكانية تسليع الفرد وتطويعه كأي أداة تسويقية واقتصادية، وهي صورة الوضع الراهن. وهذه ضريبة طبيعية لأي تطور. الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تطور أكبر سيصدم الكثيرين. طبعا لا يخلو الأمر من المهرطقين الذين ترثهم الأرض جيلا بعد جيل.

لا تكون التقنية كالآلة ذات طابع نفعي بحت، أي أن طبيعة تصميمها لا يقتصر على آلية أو وسيلة لبلوغ نتيجة محددة أو هدف محدد. وإن المرور بفوضى هذه التقنية وصولا إلى كمالها لازم وضرورة في مسيرة التطور. وإن كل هذا الجدل القائم حول موقعها ومدى فاعليتها في حياتنا الاجتماعية هو ضرب من ضروب التنافر بين واقع الإنسان وما يظن فيه الأصالة، التي من حيث هي رهن للمكان والزمان. وهي بلا شك خطوة جريئة نحو التجريد الكلي الذي ينطوي على مزيد كشف من أسرار هذا الكون. وإن كان فيها شر، فهو ليس محض، وهو ضروري للخير العام.

"الإنسان كقاعدة بيانات" هو عنوان متأخر جداً عن هذه التصورات، حيث أن للأمر أن يتعداها بسرعة إلى أن يصل كمكوك لأداة عضوية حيّة من أدوات المعرفة الإنسانية، كاللغة.