وعي الدولة والجماهير

جرّب خالد الهبر كتابة أغنيته العاطفية للدولة، لكنه عاد خالي الوفاض من حيث أتى. تمَحورت قضيته الكبرى حول الوعي، أو بالأحرى فجوة الوعي بين الجماهير والدولة. ويتراكم هذا الوعي بلا شك بداية بالإدراك وعملياته الأساسية. فما يدركه الشعب، لا تدركه الدولة.

والسلطة الفلسطينية، لا تحاول الاصطفاف مع حواس الشعب وتطلعاته، هذا ما يخلق الفجوة في أغنية الهبر الخالدة، أغنية عاطفية. فما هو للجماهير من بديهيات الوطنية والعاطفة الصادقة، تُخرّجه الدولة تحت مسمّيات أخرى، وتتنصل من التاريخ ذاته الذي انبثقت منه هي، والجماهير.

في حالتنا، كفلسطينيين، تتعقد الأمور كثيراُ. فهناك القضية، الجماهير، الدولة، أم الجماهير، الأحزاب، والشعب المغلوب على أمره. والإدراك الجمعي لهؤلاء على مفترق طرق خطير. وتنقسم عليه آراء الشارع بتطرف يصل حد الاتهام، الذي هو مُتلف معنوي للشعب، والاستسهال، المُتلف البشري. وأي منهما، لن يعود بأي نتيجة ترجى.

يُعرّف عبد القاهر البغدادي الإدراك على أنه: "تمثُّل حقيقة الشيء عند المُدرِك، يشاهد بها ما به يُدرك، فهو عبارة عن كمال حاصل في النفس؛ يحدث منه مزيد كشف على ما يحصل في النفس من الشيء المعلوم من جهة التعقل بالبرهان أو الخبر، وهذا الكمال الزائد على ما حصل في النفس بكل واحدة من الحواس هو المسمى إدراكاً."

يُحيلنا التعريف السابق إلى بعض شواهد الاضطراب الإدراكي عند الدولة. فمن منطلق أنها دولة قائمة ضمن ظرف احتلال، وجب أن تكون دولة الجماهير والفئات الشعبية، وأن تمتثل "حقيقة" التاريخ والنضال في وجدانها قبل المصلحة السياسية والاقتصادية. وهذا ما لم تعكسه مؤسساتها على أرض الواقع. لنأخذ مثلا المقاطعات التي تُبنى في مختلف المدن الفلسطينية. والتي تحيط بها أبراج المراقبة. في إدراك الفلسطيني ووجدانه، هذا البرج يمثل الدخيل المزروع وسط البيئة الفلسطينية ويرمز للقمع والاحتلال. فكيف يتماهى الفلسطيني المسؤول مع هذا المعمار؟ وكيف يتساهل في تعزيز السطوة العسكرية التي أنهكت المواطن؟ نفهم أن الدولة، بصفتها المحتكر الوحيد للعنف قانونيا، تميل لاستعراض عضلاتها وقوتها، لفرض معادلاتها وهيبتها. لكن أن تستخدم دولة ما، انبثقت من منظمة تحرير، أساليب قمع ونهج عمارة ، تُمثل لدى شعبها حقائق لا جدال فيها، ويحيلها الشعب تلقائيا إلى المحتل، ووقعها على وعيه قاسٍ. فهذا غباء مستفحل أو قصد خبيث. فلو كان رجل الأمن، الذي أطلق قنابل الغاز، يدرك تماماً ما يدركه المواطن الذي يقابله، والذي امتلأ صدره بالغاز على مر السنين، لما استسهل الضغط على الزناد.