لعل العنوان مخادع وفيه ارتكاء على إزاحات لغوية لا تجوز في مقام النقد، لكن بما اقتضته الأحداث الأخيرة، أراني مضطرا لهذا الارتكاء. من لم يعرف يوسف زيدان ويقرأ له لغةً روائية سردية شاعرية، من لم يقرأ عزازيل وخاض مع هيبا كل أسفاره وأفكاره وعاش لذّاته، وتنقل معه في عصوره البائدة. أما مؤخرا، ما صرح به يوسف زيدان من أفكار خاصة ناتجة حسب قوله من عملية دراسية عميقة على مدار ثلاثين عاماً قضاها في تقصي التاريخ والمخطوطات والوثائق التاريخية المتعلقة بشكل رئيس بالرسالات السماوية الثلاث. وعلى ما يبدو أن الأثر الأكبر كان من نصيب المصادر والنصوص الإسرائيلية سواء الدينية أو التاريخية التي ارتكز عليها يوسف زيدان بشكل كبير.
قبل الخوض في تفاصيل ما أثاره زيدان، بتلميح أو تصريح، أود الإشارة إلى ما ألزم به نفسه من وعد وعمل: تغيير وجه الثقافية العربية. إن هذا الهدف فضفاض جدا، ومرن لدرجة الضياع في بوصلته. ففي باب الحديث عن الموروث الديني والتاريخي، لا يمكن انتقاء الروايات واجتزاء الأحداث من كليتها، لأجل إثارة الزوابع وإنشاء العملية التصادمية، التي من الممكن أن تكون عاملاً في تغيير وجه الثقافة، إنما لوحدها لا تكفي كمنهج إذا استقالت من دورها الفاعل فيما يترتب من نتيجة عليها. كل المواضيع التي تحدث فيها زيدان عبر ثلاث حلقات متلفزة عبر إعلام مُسيّس، لم تكن نتاج عملية عقلية فذة، ولا استنتاج فردي، إنما هي من كتب التاريخ ومن المواضيع والشبهات المتجادل في شأنها، وليست اختراعا. أما التنطع بالتشكيك المستمر القائم على غير منهج سوى هذه الاقتباسات التاريخية، لا يعول عليه. بل يقودنا إلى استنتاجات بشأن صاحبه ليست في صالحه، إضافة إلى الخطاب الشعبي اللائق بجلسات القهاوي الشعبية، التي انتقدها زيدان وانتقد روادها بشكل نرجسي.
ولزوما، يجب التأكيد على ضرورة البحث والنقد، وإعادة النظر في معظم رواية التاريخ المتعلقة بشكل خاص بالتاريخ الديني، وإعادة قراءة الموروث على نحو لا يفضي إلى الصخب والفوضى كنتيجة وإنما إلى إنتاج معرفة جديدة قائمة على هذه العملية. هذه المعرفة لا بد وأن ترتبط أصالة بثوابت يقتضيها العصر الحالي. ويجب أن أنوه أني أكتب من منطلق تعليقي، ولست مختص في البحث التاريخي بأفرعه.
الإسراء والمعراج، حدثان هامان في التاريخ الديني. وإثباتهما أو نفيهما لا يندرج تحت باب التاريخ العلمي، أو تحت العلم الشرعي. وما ارتكز عليه زيدان من روايات ضعيفة في نفي عملية الإسراء الواردة نصا في آيات سورة الإسراء، ولم يأت بما يقابلها من روايات أخرى، يكشف عن هوىً في عملية البحث التاريخي لديه، أو عن سياسة مدروسة لخلط الأوراق لصالح جهات معينة، تتجلى من الخطاب ومضمونه ووسطه الناقل. إن التأويل والتفسير للقرآن واجب مستمر لا يجب أن ينقطع في أي زمن، ومن هذا لا يمكننا اعتبار مفاهيم يوسف زيدان على أنها محاولة للتفسير بما أنها لا ترتكز على كليةٍ وشمولية في الرؤية والمنهج. اشتمل حديث زيدان حول الإسراء والمعراج على نقطتين: أولاهما حقيقة المسجد الأقصى، والثانية ذكرها في معرض دحض المعراج وهي الآيات الشيطانية. فالآية الشيطانية التالية تروى بعدة متون منها أن النبي عندما كان يوحى إليه سورة النجم ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". في هذا مآخذ كثيرة.
يوسف زيدان لم يرد الروايات الأخرى التي ضعفت وكذبت هذه الحادثة. بل اعتبر أن ورودها على لسان الطبري وحده كافٍ لوجوب صحتها، علماً أن الطبري في غير موقع قد كذبها ولم يسلم بها كما أوهم يوسف زيدان المشاهدين. إضافة لمنافاة العقل في هذه الرواية، فالنبي في مقام الرسالة معصوم عصمة كاملة بالضرورة وبالنص القرآني. وإعطاء الشيطان هذه القدرة النادرة، في حين أن سلطانه مفقود حتى على سائر البشر، فكيف بنبي؟ وبالتالي، ليس من مبرر يمكن إعطاءه ليوسف زيدان، فالسياق الذي تحدث به لم يستوجب استحضار هذه الحادثة وبثها في ثنايا الحديث. وإرسالها هكذا دون تعقيب أو تعليق يوضح سعيه إلى أسطرة الشيطان بطريقة أو بأخرى. فيجب عليه، إن لم يقم بهذا أصلا، استقصاء الحقائق قبل عرضها على الملأ، وعرضها كما هي دون نقص أو زيادة.
عودة إلى حقيقة المسجد الأقصى، فزيدان يعتقد بما جاء في كتب التاريخ من أن المسجد الأقصى المذكور في سورة الإسراء ليس في القدس، وإنما في الطائف. وربما نسي يوسف زيدان استعراض دلائله في سياق حديثه من باب المقاربة مع نص الآية الوارد فيها المسجد الأقصى. مثل: ما هو تاريخ تلك المنطقة التي يقع فيها المسجد الأقصى في الطائف، وكيف تحفها البركة وبناء على ماذا، وما هي شواهده التاريخية والحالية، وأين يقع هذا المسجد بالضبط، من بناه ومتى بني، من جدده، ولم أصلا عملية الإسراء بينما الطائف تبعد بضع كيلوميترات يسيرة عن مكة … ؟ فهو لم يتعرض لكل هذه الأسئلة البديهية ووقف بشكل مجتزء على النص القرآني.
لا يُقصد بالمسجد البناء القائم والمعمار المرئي، وإن كانت هذه المظاهر تشكل صورة المسجد في الذهن. والمساجد لا تأخذ، بحال من الأحوال، قدسيتها من الحجر الذي هو عرضة للهدم والبناء بحسب الزمن والتاريخ. فالمسجد الأقصى كما هو متعارف عليه الأرض الكاملة داخل السور، وما تشتمله هذه المساحة من مبان، أقيمت في غير أزمنة، منها المصلى القبلي، وقبة الصخرة، والمقامات المختلفة. وما أشار إليه زيدان بأن عبد الملك بن مروان قد بناه، هو قبة الصخرة، وليس المسجد الأقصى كاملاً، فالمصلى القبلي كان قائماً قبل ذلك. واعتقاده بان هذا هو المسجد الأقصى هو تنقص ودلالة على عدم الإحاطة التاريخية.
وفي السياق التاريخي ذاته، المسجد الأقصى ومدينه القدس لم تبدءا مع بداية العبرانيين كما يظن يوسف زيدان أو ما يحاول إقناع جمهوره به، فالمدينة التاريخية بدأت منذ عهد اليبوسيين وقد كان حينها المسجد الأقصى بمفهومه الديني المقدس موجود وقائم. وهذا ما يثبت نظرتنا المقدسة إلى المكان وما توالت عليه من حضارات قامت بتعمير البناء ليس إلا، كان آخرها العهد الإسلامي. والمقدس من حيث هو ظاهر، هو التقديس النابع من نظرة الناس واعتبارهم لشخص أما أو مكان ما، فالأماكن على وجه الخصوص تأخذ قدسيتها من شخوصها وأحداثها والتضحيات التي سالت على أرضها، أما المقدس بذاته فهو بلا شك خافٍ عنا سببه وجوهره.
هذا من باب، ومن باب آخر محاولة الدكتور زيدان طرح قضية المسجد الأقصى كحل للسلام، هو تشويه عريض من خبير في التاريخ. حصر المشكلة في المسجد الأقصى أو مدينة القدس بشكل أعم خاطئ، ولعل زيدان غير مطلع على القضية الفلسطينة بشكل كاف، فما زال باعتقاده أن الأمور ما زالت تتمحور حول الأحقية الدينية. وأن الذريعة لدى الطرفين الفلسطيني والصهيوني هي دينية بحتة جاءت من نبوءات توراتية أو قرآنية. هذا خاطئ بشكل تام ولا يمت للواقع بصلة.
من القضايا التي أثارها زيدان، ولا أعرف أي معرض تطلب إثارتها، مجزرة صابرا وشاتيلا. إن ما أخبر به زيدان ليس بجديد أو اختراع، فثابت أن حزب الكتائب اللبناني هو من نفذ تلك الجرائم الإنسانية تحت غطاء الجيش الصهيوني. وما وقع فيه زيدان من دراسة الأحداث التاريخية بشكل منفصل، أي أن كل حدث قائم بذاته وغير مرتبط بأحداث أخرى سابقة، ينسف علمه التاريخي بلحظة. فهذا يتنافى مع خط سير التاريخ والنظريات العلمية الحديثة. بمعنى أوضح وبشكل تطبيقي، الكتائب اللبنانية لم تقم بمجزرة صبرا وشاتيلا لأنها تريد أن تقوم بها فقط، فالحادثة لها إرهاصات قريبة وبعيدة أولها الاحتلال الصهيوني في المنطقة.
المرحلة المتخبطة لا توجب مثل هذه الإزاحات ولا تستدعي مثل هذه القراءات التاريخية، وهذه المرحلة المتأججة بالصراعات السياسية على المنطقة العربية بحاجة لمنهج ثابت وواضح في شتى مجالات الخلاف السياسي والديني والتاريخي، لا أن يأتي زيدان بشكل عبثي مفرط البساطة يستنثى مشهد الاحتلال الصهيوني ويضع الآخر الفلسطيني في مقبالته سواء بتحمل المسؤولية. بعد كل هذا، لا يشفع نتاج الدكتور زيدان بكليته وعبقريته، لما جاء به مؤخراً.