لم أؤمن يوما بنظرية المؤامرة حتى أنني أهاجم بشراسة أصحابها وأبواقها التي تبث الشك في أفئدة الناس. فجميع ما يحدث أو ما يظنه البشر أنه يحدث تحت طائل المؤامرة المحاكة ضدهم من جهات مجهولة، هو في واقع الحال واقعي ويمكن فهمه وصده. أما فيما يتعلق بتصريح نتنياهو الأخير حول اسباب المحرقة المزعومة (الهولكوست) فهو ضمن إطار التخطيط الاستراتيجي للكيان الصهيوني والذي لا يتأتى عن موقف شخصي قرر نتنياهو اتخاذه بين عشية أو ضحاها. هناك مراكز ابحاث تقف وراء ذلك التصريح حتما، وارتأت هذا التوقيت بالذات كي يتم تسيير الفكر الجمعي نحو نقطة معينة وتلك النقطة مهما بدا لنا من جنونها أو عدم واقعيتها ومهما وافق شعورنا هذا من تصريحات دولية فإنها تعمل لتعزيز المظلومية اليهودية واقتران تلك المظلومية بالأحداث الدائرة حاليا لهو من الأثر على عكس الحالة إلى حالة مضادة. وبالطبع لم ينتظر نتنياهو مقابلة تصريحه بالتصفيق الحار والأحضان الدافئة، هو يعلم تماما كيف ستكون ردود الأفعال.

إن مفهوم المظلومية تستخدمه إسرائيل كمبرر لفعل الاحتلال ولفعل الإرهاب والإجرام. ودائما ما تتطرق اليه في المحافل الدولية والمحلية. ربما ينطوي هذا السلوك على عقد حقيقية تعمر في النفس اليهودية، أما مما لا شك فيه ان الصهيونية تحسن استغلاله. والمتتبع لذلك الاستغلال السيء لمظلومية اليهود يرى بوضوح الهدف من توظيفها ونجاعة ذلك التوظيف، وما بدأ بالانكشاف مع التصريح الأخير، المسار الذي يشقه نتنياهو والدولة الصهيونية بتوسيع ذلك التوظيف والبدء في عملية التدرج للوصول إلى الهدف. لا أريد أن أشطح أكثر من ذلك أو أن أغوص في أعماق التاريخ، إلا أن من يعمل جاهدا لتوظيف كارثة إنسانية تم المغالاة في وصفها ونقلها لن يتواني عن نبش أكذوبات التاريخ الأخرى وإعادة إحيائها من أجل إكمال عملية التدرج. الفكرة لا يمكن وصفها مطلقا بالمؤامرة، هي ليست إلا فعل ورد فعل، فلنحسن ردود أفعالنا.

يتبين للناظر في شأننا الوطني حين يتحرى نتائج المحطات المفصلية وخصوصا الانتفاضتين الاخيرتين لن يجد أية مكاسب وطنية - غير المسميات - ترضي آمال الشعب وطموحاته، بل على النقيض أتت نتائجهما كارثية، فالأولى تمخضت عنها أوسلو، والثانية دايتون والتنسيق الأمني والانقسام. وأما الثالثة فهي مختلفة من حيث التركيبة والأسباب. وحيث تغيب عنها الهوية الأيديلوجية - وهو ما وُصِف بالأثر الحسن - يتخوف البعض من انعدام القدرة لدى الجهات الرسمية ولدى رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس على التوظيف الصحيح والأفضل، وهو ما تم فعلا. في واقع الأمر يتركنا هذا التصرف العربي أمام دهشة كبيرة: هل يعيش حقا أمثال محمود عباس معنا؟ يريبهم ما يريبنا؟ لست أرمي إلى التجاهل التام لمطالب الشعب، أو عدم أبداء أي تعاطف. بل إلى الإهمال الإعلامي وحالة الخمول والخبل التي أصابت أطراف (الدولة) وأجهزتها. ففي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو بين المحافل الإعلامية ويقتنص كل فرصة للظهور العلني ومخاطبة شعبه والجهات الدولية، لم يرَ أبناء الشعب الفلسطيني (رئيسهم) سوى مرة واحدة لمدة خمسة دقائق لم تثلج صدور المكلومين. حتى الحل السلمي الذي تتبناه السلطة، لا تتقنه. ولا تتفنن به أو تتفانى في سبيله. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يفرز الإعلام الفلسطيني الرسمي بضع ساعات لمناقشة "الاسم" الأنسب للانتفاضة الجارية، فهذا لهو دليل قاطع على مدى الجهل والإغفال اللذان تعيشهما السلطة، وهو تسطيح وتسفيه لما يوليه الناس من أهمية عظمى: الوطن، القدس، الشهداء، الأسرى، اللاجئين. ربما عندما نمتلك من الترف الوقتي والإعلامي -بعد التحرير- سنناقش أسماء الانتفاضات ونطلق عليها مسميات تليق بالقضية، وربما نستثني بالمطلق مصطلح "انتفاضة" من قاموسنا! لا أعتقد أن الخوض في مثل هذه القضايا يعزز من التعبئة الوطنية ورفع مستوى الوعي بالخطر القائم.

ولا يسعني في هذا المقام أن أغفل الفرد الفلسطيني "الجديد" الذي تبلور عن كل ما تم ذكره من تجارب وما لم يتم ذكره من تاريخ النضال الفلسطيني بإيجابياته وإنجازاته وسلبياته وخسائره. فهو أعلن التمرد على كل الأطر والإطارات، ونبذ المخاصمات التي أطاحت بقضيته أرضا، فعاد وانتشلها بساعديه دون الحاجة لإيعاز من الساسة. شخصية واعدة مستقلة بدأت تتشكل معالمها الوطنية والثورية بعيداً عن أي أيديولوجيا مسبقة. ولهذه الشخصية الواعية المتمثلة بكثير من النماذج الفردية التي شاهدنها منذ ما قبل أوكتوبر الجاري بأكثر من عام، وكلها يجب الغوص في معالمها وتفاصيلها على المستويات الشخصية والاجتماعية والوطنية ودراستها كتجربة مثمرة، لمثل هذه الشخصية - وتطوراتها اللاحقة - أن تجابه مثل تصريح نتنياهو الاخير بوعي وإدراك تام لما سبقه من إرهاصات وما يترتب عليه من خطوات، أو ما يبنى عليه، أو في أي استراتيجيات يقع ويُستغل. طبعا، الفعل على المستوى الفردي في هذه الحالة لن يكون بنجاعة وقوة رد الفعل الجماعي المدروس، والذي هو من مسؤولية المراكز والمؤسسات الرسمية المخولة - والتي نفتقدها حاليا في ظل توجه السلطة لبناء اقتصادها البحت بعيدا عن أمثال هذه المراكز.