خلق الربيع العربي مرتعاً آخراً لحملة الشهادات العليا في "نظرية المؤامرة" وعشاق "بروتوكولات حكماء صهيون" فهبوا بصولاتهم وجولاتهم وتطفلهم على الإرادة العربية. شأنهم واحد شأن من أرادنا على قلوب شتى. ناهيكم عن تفريغ العقلية العربية من أي إرادة أو استقلال. بدءاً بعبد الله بن سبأ المختلف أصلا في وجوده التاريخي وقس على شاكلته، ومروراً بكثير من الشخصيات والحركات والتيارات الإشكالية. إقرارنا التام بدور شخصية كابن سبأ لهو أكبر انتقاص من قيمة "الراشدَيْن" حينها، وأكبر انتقاص لقيمة إرادة الشعوب قبالة فرد واحد يسوسهم كقطيع غنم. بالتالي يتكشف لنا أن أثرى وأخصب مراعي نظرية المؤامرة هي البيئات والمجتمعات العربية، بطبيعة احتكامها دوماً إلى مرجعيات دينية، والصبغة القدَرية التي تشكل أساس الفهم في هذه المجتمعات لما يدور حولها.
إن فكرة "نظرية المؤامرة" بصورتها المطروحة، هي المؤامرة بذاتها. أي حمل الشعوب على التصديق والإيمان بوجود أطراف لها قدرة اقتصادية ومراكزية على إنفاذ أجندتها المرفوضة بطبيعة الحال. ومن الطبيعة البشرية ميل الناس، على مر التاريخ، إلى اتخاذ معتقدات تزيح عنهم همّ المسؤلية، ومشقة المجاهدة. كإحالة معظم الحوداث الحياتية التي يمرون بها، خصوصا في المجتمعات الشرقية، إلى القضاء والقدر، أو السحر والحسد، سواء على مستوى الجماعة أو الفرد. وهذا كله ضد الفطرة المتحررة والاستقلالية الفردية التي أنشئ عليها الإنسان.
ما نجحت به أبواق المؤامرة هو بث هذه الروح في المعاملات اليومية، حتى صار الموضوع يتداول في معظم النقاشات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية على مستوى الأحداث العامة التي تهم الجماعة كالثورات والهبّات الشعبية، وعلى المستوى التعاملات الفردية، كاتهام أفراد آخرين بعينهم بضلوعهم بالمؤامرة دون أدنى دليل. هذا النجاح لا يُعزى بحال من الأحوال إلى القدرة الفائقة التي يمتلكها طرفُ هذه النظرية الفاعل، إنما، بنسبة عالية جدا، إلى الاستعداد الكامن لدى المجتمعات المتلقية.
يعزوا هؤلاء، من أنصار محلليين، وسياسيين، ويتبعهم جمع غفير من كتاب ومواطنين الثورات العربية التي امتدت على جغرافيا الشرق الأوسط، إلى أياد خفية تقبع حيث لا يعلم أحد. حتى الهبة الشعبية الفلسطينية الأخيرة لم تسلم من أفكاكهم. كأنهم يقولون لبني جلدتهم: أنتم دمى لا تصلحون لشيء، خلقنا الله وإياكم وترك أمرنا للماسونية العالمية. هذا النوع من التنميط الفكري الذي دار على فترة عقود من الزمن، لا بد وأن يجد له حامل فكري وسلوكي بشكل مضاد. ومن الطبيعي جداً أن يتشكل هذا الحامل على عدة عوامل مسيطرة على المنطقة - العربية خصوصا - مثل التصلب الديني، والرجعية الفكرية، وإيقاف الحاضر على نصوص تاريخية، والمذهبية والطائفية، وأخيراً عقدة النقص التي تشكلت مؤخرا أمام الآخر "المتآمر". الأمر الذي يضع العربي على محك الاستقلال والاستقرار، وعلى مفصل انفصامي بين منادح تاريخه وانبهارهه بالحاضر المتناقض مع والمعاكس لقيمه الدينية والأخلاقية، كما يظن.
الأسباب آنفة الذكر، متمثلة بعدم المرونة الفكرية، والتصلب على رأي واحد، تلز الفرد في هذه المجتمعات إلى التصديق بنظرية المؤامرة، إثر قناعته التامة والمتزمتة بصحة موقفه ووحدانيته. وهذا التصديق لا بد وأن يجد طريقه العملي والواقعي، فتشكلت، استجابة لذلك، الجماعات الإرهابية المستندة إلى عقائد دينية، أسس لها أناس إنغلاقيون إقصائيون، هم طبعا أبناء ظرفهم السياسي الاضطهادي حينذاك.
لكن إغلاق الباب دون الثقافات الأخرى، والإكتفاء بالانبهار بها عبر النظر من النافذة فقط، مع التشديد المستمر على شيطنتها، تلقائيا يضع أفراد المجتمعات المنغقلة على المحك. وعلى قنبلة موقتة، وقد شهدنا انفجارها. غذى تشظيها الشديد شيوخ التبعية والفراغ الديني بتطرفهم الخطابي، رادين كل مهانة وسقوط وتدني، إلى نظرية المؤامرة، صانعين بفتاواهم التكفيرية التي توهم الشباب بأننا عرضة غزو فكري مستمر، إثر مؤامرات تحاك يوميا في أروقة معابد "الكفر". وهذا كله لم يكن موجها ضد الآخر "المتآمر" فحسب، بل إلى الداخل الإسلامي أيضاً. ولا يتوانى أولئك المشائخ" من شمل كل ما لا يفهمونه ودرجه تحت طائل المآمرة، بدءا ببرامج الأطفال الكرتونية.
لجميع الإشارات الإلهية، المتمثلة في العقل المنطقي، والإرادة الحرة الفطرية، مدعمة بآيات قرآنية وفيرة، مدلولات تنقض مباشرة كل ما سبق الإشارة إليه من ثقافة القطيع، والنهج الديني المتشدد والتكفيري، أما الأخيرة فهي ليست موضع هذه المقالة رغم ارتباطها الوثيق وفاعليتها الملوحظة في تدعيم أركان "النظرية".
يسعفنا إيراد آية واحدة يوعز بها الله إلى خلقه ويذكرهم بما فطروا عليه: الحرية والاستقلالية، وهما متلازمتان على نحو وثيق بالمسؤولية. "أن ليس للإنسان إلا ما سعى" (النجم،٣٩)، على اختلاف التفاسير التي وردت بحق هذه الآية، يمكننا بكل راحة إسقاطها على موضوع المقالة ومحتواها. ويمكننا إسقاطها على سعي الأفراد والشعوب. فهنا تقرير واضح يدحض تفرد كائن من كان في مسيرة الإنسان ونهايته، ويحمله كامل المسؤولية لما آمن وعمل به وسعى إليه.
لا يمكننا بكل ما سبق، بحال من الأحوال، نفي المؤامرة بشكلها البشري البسيط، المبتدئة، بشكل ممكن، مع الخطيئة الإنسانية الأولى. فالصراع مستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهذا الصراع بغض النظر عن مضمونه، وعن شكله المتطور تباعا للتطور الزمني، كما هو ثابت في التاريخ، يتبطن السلطة والسطوة، القوة بأشكالها: العسكرية والقتالية، المالية، والمكانية، وطبعا ضرورة التآمر والمخادعة. وهذا يتطلب منا وعي شجاع للوقوف على هذا الحد، لضرورة البناء الثقافي، والإنتهاء إلى بنية عصبية مدروسة تضمن ردود أفعال متزنة ومتسقة مع ذاتنا.
أما بالنسبة للآخر "المتآمر" فهو ليس بريء، إلا أنه ليس الضالع الرئيس ولا المشارك الوحيد.