أريد أن أكتب أشياء كثيرة، الأفكار تتخبط كالشهب في عقلي وصدري يغلي من عجزي. كلما شرعت بتفريغ فكرةً ما على ورق أو على صفحة بيضاء غير ملموسة يبدأ صدري بالغليان وكأني أمام شيطان يقف بيني وبين الفضيلة. نعم إن الكتابة فضيلة ينعم بها الناس أحيانا، لكني حتى الفضيلة الأكبر - القراءة - لا أعرفها هذه الأيام. لا أعلم ما السبب ولم تحدثني نفسي حتى اللحظة بسرها، ولم تشكُ إلي حزنها بعد.

حتى وأنا أكتب هذه الكلمات كأنني اجترح المعجزة. هل هو مرض؟ بحثت عبر العملاق جوجل عله يجد في خادم من خوادم الانترنت المنتشرة كالسرطان في العالم إجابة عن حالتي. فسألته عن أعراضي ولم تأتي نتائج البحث كما أشتهي. أمن المعقول أنه لا يوجد كاتب هناك في أي طرف من العالم لم تخذله أصابعه يوما؟


وعندما أبدأ بالكتابة، عماذا أريد أن أكتب؟ هل أكمل روايتي التي استهلكت غبار الغرفة كله ولم تتسخ؟ أم أكتب عن الشهيد؟ كلما بدأت بالكتابة عن شهيد استشهد آخر، فإذا بي أترك الصفحة الأولى وأشرع في الكتابة عن الثاني، وما ألبث أن أقدم له حتى يستشهد ثالث، أقلب الصفحة كي أبدأ بأخرى ناصعة البياض فارغة، لكن وجه الشهيد الذي أراه على الفيس بوك بين كل منشور ومنشور مئة مرة ينسني كل ما اجتاح عقلي كالرصاصة وخرج منه مسرعاً. فأتراجع قليلا، إن الشهيد الأول ما زلت أذكر اسمه وشكله وقصته، وعندما أعود إلى الصفحة الأولى يكون الدم قد تخثر. "لا يتخثر دم الشهيد ويبقى مثخنا فينا" هكذا تهمس نفسي اللئيمة التي تأبى أن أرتاح في ليلتي هذه. أكتب اسمه مجددا في محرك البحث الذي يختزل تاريخه كله بعناوين الأخبار والـ هاشتاغ، وما يلبث الإكمال الآلي أن ينتهي من عرض نتائجه، حتى تعج الصفحة باسم الشهيد الرابع. "يا الله ارحمنا لا طاقة لنا بهذا" هكذا أهمس ولا أعرف أن النفس "الأمارة بالسوء" تقف لي على الكلمة. "وهل لك طاقة بغير هذا" إن الشهداء ينبتون ولا يسقطون، يتجذرون ولا يندحرون، يتكثقون ولا يتبخرون! نعم هذا صحيح جداً، وماذا عنا نحن؟ هل يكفي لنا هذا العذاب كي ننعم بهدأة طويلة؟ وهل سينقص الله من رصيد عذاباتنا بعذابنا هذا؟ متى سيشبع الوطن؟ إن الوطن لا يشبع أبداً، إذا أنه لو امتلك خاصية الشبع لما أسميناه وطناً ربما لسمي حجراً أو خرابا. لم تعد أصابعي قادرة على الحراك الشعبي، ولا مخيلتي الخصبة جدا بدمائهم الآن لها أي اتساع أفقي أو عامودي. فأترك الكتابة وأفتح محرر النصوص غير العادية - أيضا من كتابة إلى أخرى - محاولا كتابة الشيفرات البرمجية لأبني للشهداء موقعا إلكترونيا عظيما مثلهم، يفتحه الناس مثلما يفتحون الفيس بوك يومياً كي يطلعوا على قصصهم التي كانت والتي كانت ستكون لولا أن صار الشهيد شهيداً. فما ألبث أن أكتب سطرين حتى أجهد وأموت في مقعدي الذي تعب مني، وأصير أسفه عملي الذي كنت على وشك القيام به، أهكذا ستخلد الشهداء يا هذا؟ إنها النفس اللئيمة مرة أخرى! فأنطفئ كما ينطفئ الجهاز تحت إصبعي.

أجول في الغرفة كالبندول كما الأفكار المتأرجحة داخلي. حسنا سأنام قليلاً، لكني حين أرتمي في سريري يبقى الفيس بوك وجوجل والعالم بأكمله معلقا في يدي، ولا أستطيع أن أقاوم إغراء التكنولوجيا التي ترافقني أينما أذهب. فأفتح تلك القطعة الصغيرة "الموبايل" ومباشرة بلا تفكير أضغط على أيقونة الفيس بوك كي أشاهد ماذا حدث وما الذي يحدث فخلايا النمل والنحل البشرية لا تكل ولا تمل على تلك المنصة، تأتيني بكل صحيح ومغلوط، وكل شهي وقبيح. وكل خبر أو منشور يظهر بحركة سلسة في وجهي يستحق كتابة ألف صفحة عنه إما في تمجيده والغوص في أسباره، وإما في تقبيحه وتبيان خطره على الناس وربات البيوت المساكين، اللاتي حقا، يشعرن بأضعاف ألمي ولا يجدن الكتابة ولا ريحها كمهرب وملجأ. إذا عن ماذا أكتب؟ وبعدها يطل علينا الرئيس بكلمات "هامة" لكن سمها لا يقتل وأصلا لا تنفث سماً. بل تفيض قيحا وتقيح قرفا. لا تستحق الكتابة بشأنها. وبعدها يستشهد آخر، وبعدها أخرى. فأنسى الرئيس وحكومته وشكله وأنه أصلا وجد يوما على ثرى فلسطين إنساناً. وبعدها لا أرى إلا محللين على الصفحات الالكترونية يقولون لي: لا تبتأس إن كنت لست على دراية بالسياسة، فكلمة الرئيس كلمة سياسة محنكة هو أراد بها كذا ولجم الصهيوني وكبل بنادقه … وانتصرنا. لا أقدر أن أصدقهم إذ أن الشهداء ما زالوا يسقطون، عفوا، ينبتون. أفكر وماذا سأفعل أنا، دعوني أعود إلى عملي لعلي أبتعد قليلا عن الكتابة. لكن عملي كله كتابة، فلا مهرب لي، مع كل حرف أكتبه أتذكر أن هناك حرفا أولى كتابته. أعود وأبحث في الانترنت فلا شك بأن حالة مرضية تعتريني كما أخبرني جوجل بأنني كئيب. والكآبة تخيم على نفسي وبيتي ومكان عملي والشارع العريض أمام منزلي، والحي بأكمله، والحي الذي يلي والذي يلي وأنا حقا أصدقه.

أكتب وأعرف أن هذه الكلمات ليست إلا انعكاسا لمزاجي العاطفي، فهي لا تغني ولا تسمن، ولا تأصل ولا تحلل، وليس لها أساسا شرعيا ولا وطنيا. لكني على الأقل بدأت أكتب. استرددت بعض نفسي وبدأت أكتب. لكن حتى اللحظة لا أعرف عن ماذا أريد أن أكتب. في كل دقيقة حدث جلل. حتى تصريح نتنياهو الأبله الذي اتخذوه الناس هزوا ليس بأبله، هل مشكلتي التفكير الزائد في غير محله؟ طبعا ليس أبله، وهل يكون أبلها من احتلنا أكثر من نصف قرن بحجة عقدته النفسيه وضحاياه الذين قضوا في الهوليكوست. ضحاياه الذين استغلهم بشكل بشع وقذر كي يبرر قذارته الذاتية، نعم إن الاحتلال بشع في ذاته وفي تجلياته ولا يمكن أن يكون مضافا أو مضافا إليه ولا نعتا ولا صفة، هذا ما حدثني به صديقي، أيضا عبر الفيس بوك المراقب. فجميع المساحات الآن مفردة للاحتلال وكنهه ويجب استغلال كافة الظروف والفرص لتقويم الاعوجاج الحاصل. لكن من يحدد هذا الاعوجاج ونحن نفتقر أصلا لأدوات التقييم، فلا جماعة ولا رأس والجسد كله مقطع على أوصال فلسطين.


فلا يسعني إلا أن أعود إلى الشهيد، فهو الحقيقة والمعافى، ونحن الوهم والمرضى، أيضا كما يقول صديقي الآخر. فهل أكتب عن حياته التي عاش، أم سكينه التي أمضى، أم لحظة رؤيتي لعينيه تنظران إلى الله ثم تغمضان نصف إغماضة … ثم يبتسم. هو حياة بأكملها لا أستطيع أن أكتب عنه وأنا في فوضى، فيدي فوضى وعقلي فوضى. أم أكتب كالصحافيين تقريراً عن ذويه المكلومين مرة والثابتين كل مرة. لا أعرف، كل شيء يجب أن يكتب.

وأنا أكتب، أفتح الفيس بوك مجددا، فهو المدد لهذه الثورة، فإذا بحماس تشكر السعودية والسلطة ومن وراءها فتح تستنكر شكر حماس للسعودية وتتهمها بالخيانة والدخالة على الشعب وعدم الأصالة الوطنية. والناس ما زالوا فرحين باستشهاد طفل بطل. أي فرحة تلك، لا أعتقد أن الله حين قال لنا نحن الأحياء بالإمكان أن الذين قتلوا في سبيله أحياء فعلا عنده أنه يوعز لنا بالفرح لاستشهادهم. الشهيد نال شهادة وأجرا ونحن نلنا ألما وحزنا، حتى تعاملنا مع الألم عنيد وغاضب. احزن اليوم واغضب غدا، وافرح بعد حين. فلكل مشهد حالة.

الحقيقة أننا معلقون ومفصومون فلا نحن في حالة ثورة وتأهب، ولا نحن قوم متنعمون. وكلتا الحالتين استقرار. وكما قال لي صديقي الأول، إن سبب بقاء الصهيونية عدم الاستقرار. أي أن الاستقرار هو العدو الأول للحالة الصهيونية التي يحكها جلدها كلما استقرت الأمور على حال. فلا يرضيها السلم ولا الحرب. فلو استقررنا على مقاومة، أي حالة مقاومة حقيقية يختفي فيها أثر الاقتصاد الوهمي المتكأ على قشة ومظاهر الحياة الكاذبة في رام الله وغيرها، لأنجزنا. وفي المقابل لو استقررنا على سلم وسلمنا لن يبقى أمام الاحتلال ذرائع أخرى وستنفذ جعبته من الحجج. في الواقع هو لا يحتاج إلى ذريعة ولا إلى مسوغ ولا إلى سبب، لكنها … لا أعرف توصيفها. ومنا هنا، بعد أن كنت سابقا أرفض مسمى انتفاضة. توضح لي بعدها أن هذا المسمى بحد ذاته توصيف لائق لحالتنا الانفصامية والانفصالية.

ربما لا يجب أن أكتب ...