عندما انتحل اليسار حلة غيره، ولبس عمامة سوداء فوق لحية جيفارا، وخلط الحابل بالنابل في قوله وفعله. عندها صار شيعاً بعد أن كان وحدة مفردة فاعلة. وصار شيعة، يتقمص حالة دينية غريبة عنه تحت مسميات التحالف والمحاور والمقاومة. إن ملاحظاتي هذه، سببها يلا شك من أرض الواقع، من أفراد اليسار على الأقل إن لم تكن بتصريحات رسمية. فالنظرية يعرف جدواها من عدمه من حاضنتها العملية، مناسبتها وملائمتها للحالة مؤشر لمدى فاعليتها.
ما يدفع اليسارإلى الالتحاق برِكاب آخر هو فراغ يديه، وجعبة تملؤها المؤسسات غير الربحية التي تعج دوماً برجال ونساء يلبسون صور جيفارا والمنجل والشاكوش، بلحى كثة، ولغة بروليتارية، وسبب واحد لا غيره لكل الإشكال الوجودي والسياسي والاقتصادي، ألا وهو الطبقية. فالتحليل الطبقي هو جوهري في التحليل اليساري. وكما أن فرويد أبدع في جوانب شتى في مسيرته العلمية، إلا أنه تحجر وتسمر عندما أسند سبب كل المشاكل النفسية والسلوكية عند الإنسان إلى الغريزة الجنسية، كذا يفعل اليسار. انطلاقا من شيوعيته وماركسيته، ضاربا عرض الحائط ومجدفا بكل العوامل والمعطيات الأخرى.
وحري بكل دارس للتوجه اليساري، أن يدرس دوافعه وأرضياته ومناخه. بدءا بأصحاب الفكرة مرورا بالأسس والتجارب والنماذج ووصولا إلى النتائج. ولهذا موضوعنا يتناول اليسار السياسي الذي يتخذ من الشيوعية أو الماركسية أساسا لفكره. وعند الحديث عن اليسار الفلسطيني يجب التفريق بين المستوى القيادي والمستوى القاعدي. إذ أن الموقف القيادي يشكل في معظمه موقفا سياسياً يتبناه تلقائيا أفرد القاعدة اليسارية. والمستوى القاعدي هو التعبير العملي عن الفلسفة اليسارية المحمولة فكرا وسلوكا. وبناء على هذا، ليس الموقف السياسي فيما يتعلق في الأزمة السورية هو شأننا هنا. بل تلك الانعكاسات المترتبة عليه على وجه القاعدة العام. ومن بعد هذه الإشارة، أي تحليل تالٍ يكون متعلق بالقاعدة بشكل أخص منه بالقيادة.
صار مؤخرا تحولا دراماتيكيا وشبه راديكالي في بنية اليسار الفكرية، وإن لم يكن تحولا داخليا، فهو على الأقل ظاهر للعيان بشكل لا يقبل التأويل. وكما سبق ذكره: يمكن تفهم الدعم والتأييد اليساري لمحور التحالف السوري الإيراني من باب السياسة فقط. أما التحول الآخر فهو الذي ينكل بمفهوم اليسار القائم أساسا ضد أي سلطوية. إن هذا التحول تظهر انعطافاته على الخطاب اليساري القاعدي، وعلى المواقف من الدين. فالمحور السوري الإيراني، محور شيعي لا ريب، وعلى ثوريته الواضحة، إلا أن منطلقه الديني لا لبس فيه. واليسار المرتكز على الفلسفة الشيوعية الماركسية يرفض بشكل قاطع السلطة الدينية. لكن الموروث الإسلامي ضخم وهائل، مما حدى ببعض القيادات اليسارية مواربة موقف اليسار العربي من الدين. والقول المستمر بإمكانية اليسار الاتكاء على أي مخزون ثقافي ثوري. لكن هنا تقع مغالاطات شتى. منها أن معظم التجارب اليسارية العربية مستوردة. بمعنى أنها عملية نقل حرفي لتجارب أخرى، فشلت في إثبات فاعليتها في مجتمع ورث قرونا من ثقافة وفكر مختلفين. ولم تنطلق تلك التجارب من حاضنتها التاريخية، ولا من مجتمعها العام، بل اكتفت بالاتكاء الهش على المخزون القولي والاقتباسي. مما وضعها في مهب الضياع، فالحركة اليسارية العربية هي ومضة سريعة جاءت رداً على فقر المجتمع من أيديلوجيات بإمكانها التصدي للمد الإمبريالي، ومن هنا يمكن القول أن اليسار في أفول، ما لم يتخلى عن غرابته، ويتأصل في تاريخ منطقته ويحذو حذو الصين الماوية التي حافظت على ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وحكمتها الكونفوشوسية، ولم تنفتح على مصراعيها للفكر والاقتصاد الغربيين.
عوداً إلى سلوك القاعدة اليسارية، ففي ماضٍ قريب، كان خطاب القاعدة خطاباً لا دينياً. لا يتماهى ولا يتماشى مع التوجه الجماهيري العام. إلا أن اليسار حسم قراره وصار لا سنّياً. بمعنى أنه اجتزء من الدين طائفة، وسماها ثورية تتناسب مع تطلعاته الثورية. لم يقتصر الأمر عندهم على الشعارات الثورية، بل تعدى ذلك إلى ما هو أبعد منه، إلى "المناجاة" إن صح التعبير. هذا ما يترتب عليه وعي بأن الفكر اليساري ظاهري غير أصل، مستورد وتابعي.
يبدو أن الذاكرة اليسارية ذاكرة ذبابية. يمكن بيان هذا على جبهتين. الأولى، موقف اليسار الفلسطيني من الدعم الإيراني المادي واللوجيستي الذي التزمت به تجاه حماس والجهاد الإسلامي، الأمر الذي كان يبرره الرفاق اليساريون، بأنه إنفاذ لأجندات خارجية على الأراضي الفلسطينية، خصوصا أن هذه الجهة الخارجية قامت بفعل ثورة إسلامية نتج عنها دولة دينية، ودائما ما كانوا يتهمون السلطة بتبعيتها لأمريكا، والحركات الإسلامية لإيران. والثانية هي تراجيديا اليسار الإيراني المتمثل في حركتي تودة وفدائيي خلق، حيث تم التمثيل والتنكيل بالقيادة اليسارية وتطهير الوجود اليساري من عند آخره. ليس هذا المستغرب، بل هو مشاركة اليسار الإيراني في الثورة الإيرانية التي سعت لإسقاط الشاه جنبا إلى جنب الخميني، وقام الأخير بعد استلام الثورة زمام الأمور بتخيير اليساريين بين الالتزام بالتعاليم الإسلامية أو الإعدام والفناء. عند الوقوف على هاتين الجبهتن، كيف يفسر لنا الرفاق اعتبار الوجود الإيراني في المنطقة وخصوصا في سورية ولبنان آمنا، ولا يعتبر إنفاذا لأجندات خارجية دينية؟ حسب مواقفهم الأولى. ولمَ صار الأمر مشروعاً في حالة سورية، وكان معادياً في حالة فلسطن؟ وهل حقا أن الطريق الأمثل للمجتمع الذي يحلمون به سيتحقق عبر مرجعيات دينية بغض النظر عن الثورية الإيرانية الشيعية؟ وما هي وجاهتهم في هذا الاستقبال الكرنفالي للمحور الإيراني، الذي سبق ذكر فعلته الشائنة بشريكه اليساري؟ وهل حقا شعارات "يا حسين" و "لبيك يا نصر الله" التي بدؤوا بترديدها، تعكس جوهر فلسفتهم؟ إن قال قائل منهم أن أسبابهم مبادئية، وأن "يا حسين" هو شعار ثوري، يعكس مأساة تنطوي على كم هائل من التضحية والثورية. أقول له أن هذا الشعار أودى بكم قبلاً. ولا يمكن فصله عن أبويته، أو سلخه من قاعدته، ولا فصله عن سياقه. هل يمكن للرفاق، أن يسبوا الرب بعد أن يتمسحوا بعباءة "سماحته"؟ كيف يمكنهم نداء يا حسين، ومن ثم يلعنون تاريخ الإسلام ونبيه؟ كيف يلبون نصر الله الديني وبعدها ينفرون في المناظرات ضد الدين؟ هل هو انفصام لا يعلمون بوجوده؟ أم شكل من أشكال التلون لا يعونه؟ يمكن للجميع الاستشهاد بالحكمة الثورية أينما وجدت، ما دام هذا الاستشهاد لا يسلخ عن الجوهر والذات.
سبب هذا الضياع، هو غرابة الفكر المستورد الذي نشأ عليه جيل يساري كامل، من ثقافة وطريقة تفكير وأيدولوجيا لم تخرج حقيقة عن عقلية العربي التقليدية والمقلدة، وهي القياس دون الإبداع. ومعنى هذا ينطبق على كافة أطياف المجتمع العربي الحالي بطوائفه الدينية وحركاته العلمانية واليسارية فالجميع يسعى للتقليد الفكري عوضا عن الإنتاج الفكري. أما اليسار على وجه الخصوص، فكانت تجربته فريدة في بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن انحدرت مع كل التغيرات الجذرية في مناخ العالم العربي. بسبب عدم الأصالة والانفصال عن السياق التاريخي بموروثه وقيمه وأفكاره. إن فهم حديثي في أي سياق طائفي، إقصائي، عنصري، تفريقي، في غير محله ووقته، فلضعف مني أو منك.