أتفهم فرح الشهيد بشهادته، ولعلي لا أعرف ما الشعور الذي لازمه قبل ولحظة الموت. لكني أعرف تماماً الشعور الإنساني الذي يهزنا بعد خبر الموت. وما لا أستطيع تفهمه المظاهر الكرنفالية التي عمد إليها الناس مؤخراً في في الجنائز وبيوت العزاء، التي حولت لبيوت استقبال "التهاني والتبريكات" وسرد ألقاب الحمولات والعشائر.
هذا التحول له مدلولات، ربما يجد فيها البعض إيجابية، وشكل من أشكال الرفض القائم، والحراك الشعبي المستمر، والمقاومة المتعددة الأوجه. مع كل هذا، وجب التنبيه والتنويه لخطورة الوضع "إنسانيا". كشعب محتل، يؤمن بقضيته العادلة، ورمزية شهدائه ومقاماتهم الرفيعة في "الدارين" من الضروري جداً أن يكون الاحتفاء بهم على نحو يليق بتوصيفهم.
الموضوع متشابك ومترابط: من لحظة وصول الصور ومقاطع الفيديو إلى منصات التواصل الاجتماعي، وتعليق الإعلام المحلي الذي يستقي بطبيعة الحال معلوماته الأولية من الإعلام الصهوني، حتى الإعلان عن اسم الشهيد، ومن ثم السيل العارم من التهاني التي تستضيفها الإذاعات المحلية، متيحة بذلك فرصاً شائهة. كل ملامح تلك المراحل والفترات يجب إعادة النظر في التعامل معها: فلجسد الشهيد حرمة ومكانة وقدسية، وللمتفاعلين عبر منصات التواصل الاجتماعي صبر له حد، وجلد لمرة واحدة على الأغلب، ومن ثم يكون المرور عن صورة الشهيد عابرا ينتهي بالترحم عليه. ولأهل الشهيد خصوصية: خصوصية العلاقة والدم، خصوصية الحزن والدمع.
ففكرة الموت دائما، حتى الموت الشجاع، والبسالة منقطعة النظير، والشهادة العظيمة، تستدعي الحزن تلقائيا، والحزن يستدعي الخشوع والصمت، والصمت لا يستدعي بالضرورة عدم الكلام، إنما تخير الحديث، ما يمكن قوله، وما لا يجب البت فيه إطلاقا، وكيف يقال. بدواعٍ إنسانية كثيرة، وأسباب أمنية، وركائز ثقافية. هذه الصورة غالبا ما تتجلى في الملاحم التاريخية التي تنطوي على موتٍ كثير، فكل الحضارات كانت لهم طقوسهم الخاصة في تعظيم مواتاهم -خصوصا الحربيين- وفي مجتمعنا نحن - الشهداء - كما نرى لدى الإغريق قديما. والجنازة، وصلاة الجنازة والغائب على اختلاف الأقوال الفقهية، فيه إعلاء وإجلال كبيرين وتجسيد للحزن والخشوع بشكل لائق.
وأما ما دون ذلك وبعده، فهو إفراط وتفريط في حق الشهيد ومكانته. سيجد البعض بكل تأكيد مبررات لا حصر لها، معظمها نفسي، أنه وبهذه الصورة الاحتفالية سنظهر للعدو الصهويني الصلابة، ولن نترك له فرصة شم رائحة خوفنا، وأن الشهيد ليس ميت عادي، يجب تقديم التهاني لأهله لا التعازي. للحركات والأحزاب يد ضالعة، وواضحة، في هذه الظاهرة. بخطابها الشعبي الذي يسعى إلى الحشد المستمر، وتحويل كافة الفرص إلى مناسبات وطنية - وهذا ما لا يجب هدمه - أما محاولة تحويل كافة المشاعر الإنسانية إلى مظاهر وطنية عامة حتى مع عمومية الشهيد، فيجب الحفاظ على خصوصيته ومكانته وقدسيته الوطنية والدينية.
هنا يتم الحديث عن مشاعر إنسانية لا دخل للثقافة في خلقها. فالخوف، والموت، والفقد جميعها تستدعي شعوراً واحدأ، التعامل مع هذا الشعور طقوسيا يختلف من ثقافة لأخرى مع الحفاظ على إطاره العام "الحزن". أما أن يتم إفراغ هذه الحالة من شعورها الأصيل واستبداله بمظاهر كرنفالية خادعة، نوهم ونعزي بها أنفسنا ونلتف على الواقع، يضرب على ناقوس خطر يماثل خطر استبدالنا وجوديا - مسعى الاحتلال الأول - استبدالنا إنسانيا وفطريا بشكل شائه