لم أعرفه قبل يوم اغتياله، لم أسمع به قبل ذلك. إما لسوء بحثي وضعف التقصي لدي، أو لبراعته في الاختباء. ذاك سمير القنطار بارز العينين، أجعد الشعر، حاد النظرات، مقبل دوماً كأنما هو في حالة تأهب وهجوم مستمرين. فليعفوا عني أصحاب التواريخ والمسميات وليغفروا مني إهمالي.
ليس تاريخ القنطار هو ما طوحني أرضا، فأرضنا تعبق مناضلين مختبئن ومعلنين، وجميعهم جديرون بأن يكون محل إعلاء واحتفاء، منا نحن الشعب المفصوم. نعم، هذا وصف لائق يترتب على نزعة المجتمع الإقصائية، وهي نزعة جمعية على ما يبدو. فهذا المجتمع الدّين، لا يغفر لأنثى هفوتها، ومن ثم يتعشق قذفها قذف الواثق المتيقن. وتتابع لديه حمى الصفات والنعوت، والتحليل والتركيب المسطحين، والهرولة خلف شيخ نفطي سمين، فلا يجد من حرج في الدين ولا السياسة بالمفاضلة بين احتلال ونظام، بين زوجة ناشز وبين عاهر.
عادي، كل شيء بالنسبة لهذا الشعب عادي. والشعب هنا عموم من يتكلم العربية، ويتجنس بإحدى الجنسيات العربية كذلك. فليس الغريب في مقياسه العجائزي، ويا ليته كان كذلك، أن تقصف مدينة عربية، خراب أصلا، بطائرات صهيونية، فيسقط القنطار ومن معه من رفاق، بل الغريب: ماذا يفعل القنطار أصلا في سورية؟ وإن لم يكن يفعل شيئا ذا شأن، من قال له أن يتواجد هناك؟ حقا؟ حقا؟
أي تعاسة وبؤس أوصلا هذا الشعب لتلك المفاضلة؟ إن بقيت المفاضلة على حدها الفاصل، أي إن استقرت في دائرة التساؤل، فلا مانع. أما الرذيلة العقيمة التي تصيبهم، حينما يهللون لاغتيال القنطار على يد الاحتلال، فهذا بلا شك متلازمة مرضية. وأرجح أنها تفوق متلازمة ستوكهولم أعراضا واستبدادا بأصحابها. إن الرذيلة يمكن أن تنبت بحال من الأحوال فضيلة ما، فلا يمكنني الوقوف على وصف هذه الحالة بأنها رذيلة فقط. هذه كولونيالية داخلية متأصلة، عمالة مقنعة.
أدعو علماء النفس الإنسانية، وكل من يهمه الأمر، أن يدرس هذه الحالة دراسة جادة، فلا مناص منها - تلك الدراسة - في هذا السياق المتسخ، ويجب أن تكون بداية تغيير، وجذوة نحرق بها أخضر الاحتلال ويابسه. أخضره الذي يوهم "أبناء الشعب" بجمالية الاحتلال وبراءته أمام الاستبداد العربي، أخضره الذي يحض ذوي الشماغات الصينية على تقبيل يد الطيّار الحربي الصهيوني، أخضره الذي تخضر معه جزيرة العرب، وآل سعود.
سمير القنطار، ربما ستذكر في محافل التأبين الثورية. ربما ستخلد علماً مقاوماً وستحوم حولك شبهات وجودك في سورية؟ التي بدأت فعلاً. لا يعنيني. لا يعنيني إن كنت معيناً "لنظام الأسد" كما يحبون تسميته، أو إن كنت جائراً يوماً بحق إخوتك، أو ظالماً. ولعله بعد حين، سيخبر التاريخ ماذا كنت تفعل بسورية، أأسرفت أم جنيت؟ أما الإعلام، يتلازم بأمراض كثيرة، ولا نعوّل عليه للحظة. لا يعنيني. ما أكون شاكراً لك عليه، بجانب كومة جنود قتلى، أنك أظهرت أعراض مرضهم. وأرجو منك أن تسامحني على هذه اللازمة، التي سأرددها، أينما ذُكر اسمك: متلازمة القنطارية.