عندما كان يروي لنا أساتيذنا بطولات وملاحم السلف أجداد هؤلاء البشر المقطعين شيعا والمختلفين على طول اللحية ومواصفاتها العالمية، كنا نحلم بيوم يأتي يحمل مع صباحاته بعض ملامح التاريخ ليس بالضرورة يحمل عمراً أو علياً أو صلاح الدين، فأمثولة كهذي تحتاج للأعماق التوعوية والدينية والتاريخية والإنسانية بأن تضرب جذورها في مضغة تلك الشخصية. لكن أضعف الإيمان فليحمل ذلك الصباح رأفة الناس بالناس ورحمة، فليحمل حبا وسلاما من قلب صاحب اللحية الشرعية إلى صاحب اللحية "الديرتي". وكنا وما زلنا نفاخر العالم بتلكم الأمثولة التي ارتأينا الكتب والأساطير مكانا لها فقط، مع العلم - وليس للعلم فقط، يمكن أن تكون الفكرة هذه للعمل أيضا - أن تاريخ حقبة عمر مثلا أو علي أو معاوية لها من التأثير على ما يليها من الحقب والأجيال، فهناك التراكمات، والمتواترات التي وصلتنا عبر التاريخ، وهنالك الوعي المتنامي، وهنالك الخطأ المغفور والأخطاء الفادحة التي هبطت بمستوى كثير من الأولين، فمن هذا المنطق العقلاني، أي وجود الخطأ والصواب في أي فترة/مكان من حياة الإنسانية بشكل عام والحياة الإسلامية بشكل خاص، يجب أن نكون أكثر تعقلا في ردنا كافة أمور حياتنا إلى السلف الصالح.

ما المغزى أن أنسخ أخي الإنسان الذي عاش قبل 1500 سنة سلوكا ومظهرا؟ وعاداته وتقاليده؟ هل سأتقرب إلى ربي بهذا التقليد الأعمى؟ أم سأحافظ على هوية الأمة التائهة بين ألف ملة وملة؟ بصراحة وعلى بساط أحمدي بسيط: لا أستفيد شيئا سوى التعبير العاطفي الساذج. هذه العاطفة ليست جريمة بحق أحد ما دامت لا تطال فكر ولا عقيدة، أما إذا تطورت وتحولت إلى سلبيات حتى إذا تبلورت إلى عقيدة وأيدولوجيا تقود بصاحبها نحو التطرف والغلو والذهاب نحو الوثنية عن غير إدراك منه، فهذه هي إذا الجريمة بحق النفس، والآخرين، والدين.

عند الوقوف مليا على هذا الموضوع، لا يعود إلى ذهني إلا فترة الظلام الدامس التي مرت بها أوروبا وسيطرت حينذاك الكنيسة على شتى مجالات الحياة باسم الرب والدين فكونوا أو بالأحرى اخترعوا وكلاء للإله على الأرض فأصبحوا المرجعية االمعصومة من كل سوء وخطيئة. كذلك للأسف تظهر السلفية، وتحولت بعض المؤسسات والجهات الدينية أو هي آخذة بالتحول نحو هذا المنهج العقيم الذي أخذ من الأوربيين نحو عشرة قرون حتى استيقظوا وأدركوا السخافة والسذاجة والبربرة التي كانوا فيها. أفنحتاج نحن أيضا لمثل هذا الوقت حتى نستيقظ ونرى أنفسنا أحراراً غير متذبذبين ولا تابعين ولا منبطحين ولا عالات على أنفسنا والبشرية؟ مثلهم مثل الكنيسة في استبدادها واعتقادها بحصولها على الرخص الحصرية من الرب في تكفير ومحاكمة البشر على أسس ما أنزل الله بها من سلطان. فها هم إخواننا السلفية يشطحون في تكفير هذا وتمجيد ذاك وتقديس بخاري وتكفير كل مجتهد حداثي يخاف على أمته الجهل ويحب لها من العلم ما يحب. وها هم أصحاب عقيدة الفتك وسفك الدم المحرم وغير المحرم، أينما وجد الهرج والمرج وجدتهم يغسلون أياديهم ويطهرون أرواحهم!.

كما نعلم، وقيل لنا، من قبل أئمة الدين على اختلاف مناهجهم أنه لا عصمة لمخلوق فالكل عرضة للخطأ والنسيان، وعرضة للهوى والمؤثرات الخارجية، إذ أن الإنسان بطبعه "مفرغ" ويبقى عرضة لكل ما سبق ذكره. هذا من باب، وهو الباب الأصدق والأقرب إلى عقولنا وأُعطينا مفاتيحه، أما من باب سحري آخر لا أدري من أين اخترعتموه يتمثل في تمجيدهم وعصمتهم وتقديسهم … للصحابة وبعض التابعين! فأي تناقض يعيشون فيه؟

التوثين
أتى الرسول الكريم على قريش بفكر جديد - محدث لم يُسبق إليه - وكان يستحثهم ويستثير خلايا أدمغتهم إلى التفكر والتأمل وسلخ أنفسهم من سطوة وعصبية العائلة والقبيلة، فبدأ على المستوى الفردي، وبدأ بطرح تساؤلات تجاه الوثنية التي ينغمسون بها تتمثل بالفائدة التي سيجنيها عابد الصنم بعد أكله للصنم (أي ربه من منظوره)؟ ولنا في التاريخ حياة، فهذا الشكل المعروف والظاهر من الوثنية، في حين أن لها أن تأخذ من الأشكال إلى غير منتهى.

كُتبت في وقت سابق ما بين السلفية وداعش. أما لاحقا لداعش ... فقضية أخرى!