عندما أصحو من نومي مصدوماً، لا أعي في بديهية صخب المدن الفرق بين النوم والصحو في أول لحظات. يأخذني ترف الطقوس الصباحية من التمطط والتململ والرغبة الشديدة في النوم إلى التفكير في كأس القهوة ولفافة التبغ،والتخطيط السريع. فجأة تفصلني عن ترفي صورة عمران الطالة من شبابيك حائط الفيسبوك

صامتٌ خاشع، يجلس بأدب الموجوع، وتسامي المجروح. لكنه طفل يا آلهة الحرب! لا يعوزه أدب ولا وجع ولا جرح. إنه طفل يا آلهة الدمار، لا يحتاج لشيء منا، يحتاج بيت. لكل شيء بيت، وهو يتساءل أين بيتي الآن؟ في لمحة، هكذا، بيته سقط. لعله يشعر ببرد السؤال ورهبة الإجابة. ربما كان نائما واسيتقظ على حاله التي وجد نفسه فيها: أشعث أغبر، رأس مشقوقة، الدم ينبع من العين، تلك العين يعتريها الهدوء والسكون الغريبين، وعيوننا يا عمران يعتبرها دمعات لا تجرؤ على النزول. لم نبكيك أصلا؟ أنا شخصيا لا أعرفك، ولا أعرف أهلك، ولا أصدقاءك، ولا أعرف حلب! لم أبكيك وبقربي صديق يبارك الطائرات التي فتحت سقف بيتك، وحفرت الأرض من تحتك، وإلى جانبه صديق آخر، يلعنهم ويقدس سرائر “النصرة"! اقسم على الله يا عمران، اقسم عليه.

في اليوم العالمي للصورة، أنظر صاحب الصورة التي امتلكتني أكثر من أي من صور خراب الوطن، ودماء الضعاف، وأجساد الشهداء والموتى. يحتفل العالم اليوم بهذه الآلة الصغيرة والتي اختُزلت حديثا في أيادينا، وها هي تغرس مخالبها في جسدي، صورتك. حشدوا آلاف الصور اليوم في ذاكرة الإنسان، الطبيعة الخلابة والمعبودة، حيوانات البر الشرسة، غزال أهيف يتمايل لإغراء لبؤة أعصاب معدتها مثارة حتى الشره، صور المعذبين على الأرض بلونيها الأبيض والأسود، دائما ألوان المعاناة في الصور تحال إلى اللونين (الأبيض والأسود) وصورتك لم ينقصها أي لون. ذاكرات الكاميرات هذا اليوم حفظت آلاف الصور احتفالا، فصوروا الفاتنات والشيوخ المجعدي الوجوه وفرح الأطفال اللهاة، وقربوا بعدساتهم حتى صار النمل رافع أثقال. آلاف الصور يا عمران حُفظت ومرّت، إلا صورتك في يومها العالمي، أوجعت وأثقلت.

كلما شاهدت صورتك أجدني في صحبة طيبة. الحقيقة، كعربي، تأخذني الحمية والدمعة الحارقة، إذا ما نظرت إلى صور أقرانك في بلاد الخراب، وإذا ما نظرت إلينا، أفور كما نفور جميعاً كالبراكين داخلية الانفجار: لا أثر ولا تأثير. وأرى في عينيك لزوما لعهودنا بتلك البراكين بأن تتلاشى. وهم عليهم أن يعرفوا إذا ما نظروا في عينيك أن البراكين تؤذي ولا تجيء. هذا إذا ما نظروا، فكل مشغول بلحيته أو طائرته، أيهما أدعى للمفاخرة. من بين آلاف الصور التي التقطت وخزنتها الذاكرة على مداد الأرض اليوم، تبقى صورتك الأمثل، الأبقى. تبقى صورتك الأوجع. أرجو أن تُشفى من ذكراها، لكن أبقها لنا، مهجعا ومرثى لذكرانا.

يقولون أنك بكيت لاحقا. لعلي أصدقهم. لكني لا أستغرب سذاجتهم الصحافية، فما يريدونه دوماً هو “الدليل". يبحوثون عن الدم والدمع فيكم يا عيال الله. لا تلق لهم بالا إن هم غداً زجوا بك كتاب أرقامهم غينس، وصنفوك كأصغر طفل لا يبكي لأن بيته تهدم على رأسه وشقه، ولأنه في لحظة الخوف تلك، لم يبكِ! وغيرهم، سيكتبون اسمك في كتاب غينيس للأرقام غير القياسية فأنت العادي والاعتيادي لهم. ولغيرهم أنت ملحمة من ثلاثة مشاهد: جلس على غير دراية بشيء، أحس بوجع في رأسه فمد يده وتحسس، نظر إلى يده فإذا هي حمراء، وبقي رأسه إلى أسفل، ومشاهد أخرى، لم تسجلها الصورة، في يوم الصورة العالمي.

هوَ طفل يا آلهة الدم! آلهة تلذع عبّاد الشياطين وشُرّاب الدم، وتتهلل في وجه طفولة عمران.