أفكار متوسطة

مررت اليوم بمحل ملابس، صاحبه صديق لي. جلست في ركن غير بعيد عن نقطة الاحتشاد التي تتشكل عندما يتواجد أكثر من ثلاثة زبائن في اللحظة ذاتها، وكلهم ينهالون على البائع المشتت بينهم بسيول أسئلتهم. كنت محشورا هناك في زاوية التقاء علاّقتي التيشيرتات الصينية وبناطيل الصناعة الوطنية، ورأسي مسنود في المنتصف. نجحت بعض الصفقات ومعظمها انتهت على غير خير لصديقي. حتى فرغ المحل الضيق واتسعت مساحته لكلينا. “أشه...
عندما أصحو من نومي مصدوماً، لا أعي في بديهية صخب المدن الفرق بين النوم والصحو في أول لحظات. يأخذني ترف الطقوس الصباحية من التمطط والتململ والرغبة الشديدة في النوم إلى التفكير في كأس القهوة ولفافة التبغ،والتخطيط السريع. فجأة تفصلني عن ترفي صورة عمران الطالة من شبابيك حائط الفيسبوك صامتٌ خاشع، يجلس بأدب الموجوع، وتسامي المجروح. لكنه طفل يا آلهة الحرب! لا يعوزه أدب ولا وجع ولا جرح. إنه طفل يا آ...
لم أعرفه قبل يوم اغتياله، لم أسمع به قبل ذلك. إما لسوء بحثي وضعف التقصي لدي، أو لبراعته في الاختباء. ذاك سمير القنطار بارز العينين، أجعد الشعر، حاد النظرات، مقبل دوماً كأنما هو في حالة تأهب وهجوم مستمرين. فليعفوا عني أصحاب التواريخ والمسميات وليغفروا مني إهمالي. ليس تاريخ القنطار هو ما طوحني أرضا، فأرضنا تعبق مناضلين مختبئن ومعلنين، وجميعهم جديرون بأن يكون محل إعلاء واحتفاء، منا نحن الشعب ال...
عندما انتحل اليسار حلة غيره، ولبس عمامة سوداء فوق لحية جيفارا، وخلط الحابل بالنابل في قوله وفعله. عندها صار شيعاً بعد أن كان وحدة مفردة فاعلة. وصار شيعة، يتقمص حالة دينية غريبة عنه تحت مسميات التحالف والمحاور والمقاومة. إن ملاحظاتي هذه، سببها يلا شك من أرض الواقع، من أفراد اليسار على الأقل إن لم تكن بتصريحات رسمية. فالنظرية يعرف جدواها من عدمه من حاضنتها العملية، مناسبتها وملائمتها للحالة مؤشر...
قرب اللهب يعبث الظل بشكل نزعة ورغبة إنسان فقد نكهة الصمغ خارجا عن النار يتجه الآن عبثا إلى قدر غير مسمى اسما لا رمق له وهي، لا التفات إلى الدوم دوماً ألقها ضاج بالحلم والهطول الأبدي لا يمنح مجازاً لا يمنع شيئا في الصواب ولا زالت تهذي بحكة شرياني: لا ينطق الشعر إله أو نبي أنت لست حتى إنسانا، أو محاولة أنت خارج الطريق دربا لبليغ عنواني كنعانية الحروب والاغتراب: تبني مجهولا في يد الأمام لا مدرسة ...
لعل العنوان مخادع وفيه ارتكاء على إزاحات لغوية لا تجوز في مقام النقد، لكن بما اقتضته الأحداث الأخيرة، أراني مضطرا لهذا الارتكاء. من لم يعرف يوسف زيدان ويقرأ له لغةً روائية سردية شاعرية، من لم يقرأ عزازيل وخاض مع هيبا كل أسفاره وأفكاره وعاش لذّاته، وتنقل معه في عصوره البائدة. أما مؤخرا، ما صرح به يوسف زيدان من أفكار خاصة ناتجة حسب قوله من عملية دراسية عميقة على مدار ثلاثين عاماً قضاها في تقصي ا...
وجه الطين في ناحيتي وقطر نجيعه في وهج شقوقي يستبيح غيوب التمني: ليت المرايا لحديث المطلق تستجيب. اسم الطين مسافر وهلتي الأول يحتمي بآخِري، وآخَري سديمي الرؤى فيتساوى، كلما مر به متحدث: ليس كل الجسد يعرى حين التعري. للهواء رائحة منفى الروح الأخرى والأخرى واسعة الرمل والتراب كفسيح التآكل حد الصُلب والصَلبِ على جدران التماثل لكوكبٍ حط في وحدتي: هناك أناك قبلك هامت، ومنذك أنت غريب. للغبار طعم ...
أتفهم فرح الشهيد بشهادته، ولعلي لا أعرف ما الشعور الذي لازمه قبل ولحظة الموت. لكني أعرف تماماً الشعور الإنساني الذي يهزنا بعد خبر الموت. وما لا أستطيع تفهمه المظاهر الكرنفالية التي عمد إليها الناس مؤخراً في في الجنائز وبيوت العزاء، التي حولت لبيوت استقبال "التهاني والتبريكات" وسرد ألقاب الحمولات والعشائر. هذا التحول له مدلولات، ربما يجد فيها البعض إيجابية، وشكل من أشكال الرفض القائم، والحراك ا...
خلق الربيع العربي مرتعاً آخراً لحملة الشهادات العليا في "نظرية المؤامرة" وعشاق "بروتوكولات حكماء صهيون" فهبوا بصولاتهم وجولاتهم وتطفلهم على الإرادة العربية. شأنهم واحد شأن من أرادنا على قلوب شتى. ناهيكم عن تفريغ العقلية العربية من أي إرادة أو استقلال. بدءاً بعبد الله بن سبأ المختلف أصلا في وجوده التاريخي وقس على شاكلته، ومروراً بكثير من الشخصيات والحركات والتيارات الإشكالية. إقرارنا التام بدو...
عندما كان يروي لنا أساتيذنا بطولات وملاحم السلف أجداد هؤلاء البشر المقطعين شيعا والمختلفين على طول اللحية ومواصفاتها العالمية، كنا نحلم بيوم يأتي يحمل مع صباحاته بعض ملامح التاريخ ليس بالضرورة يحمل عمراً أو علياً أو صلاح الدين، فأمثولة كهذي تحتاج للأعماق التوعوية والدينية والتاريخية والإنسانية بأن تضرب جذورها في مضغة تلك الشخصية. لكن أضعف الإيمان فليحمل ذلك الصباح رأفة الناس بالناس ورحمة، فل...